ابن كثير
366
البداية والنهاية
ولسنا على الأعقاب تدمى كلومنا * ولكن على أقدامنا تقطر الدما ثم سقط إلى الأرض فأسرعوا إليه فقتلوه ( 1 ) رضي الله عنه ، وجاؤوا إلى الحجاج فأخبروه فخر ساجدا قبحه الله ، ثم قام هو وطارق بن عمرو حتى وقفا عليه وهو صريع ، فقال طارق : ما ولدت النساء أذكر من هذا ، فقال الحجاج : تمدح من يخالف طاعة أمير المؤمنين ؟ قال : نعم ! هو أعذر لأنا محاصروه وليس هو في حصن ولا خندق ولا منعة ينتصف منا ، بل يفضل علينا في كل موقف ، فلما بلغ ذلك عبد الملك ضرب طارقا . وروى ابن عساكر في ترجمة الحجاج أنه لما قتل ابن الزبير ارتجت مكة بكاء على عبد الله بن الزبير رحمه الله ، فخطب الحجاج الناس فقال : أيها الناس ! إن عبد الله بن الزبير من خيار هذه الأمة حتى رغب في الخلافة ونازعها أهلها وألحد في الحرم فأذاقه من عذابه الأليم ، وإن آدم كان أكرم على الله من ابن الزبير ، وكان في الجنة ، وهي أشرف من مكة ، فلما خالف أمر الله وأكل من الشجرة التي نهي عنها أخرجه الله من الجنة ، قوموا إلى صلاتكم يرحمكم الله ، وقيل إنه قال : يا أهل مكة إكباركم واستعظامكم قتل ابن الزبير ، فإن ابن الزبير كان من خيار هذه الأمة حتى رغب في الدنيا ونازع الخلافة أهلها ، فخلع طاعة الله وألحد في حرم الله ، ولو كانت مكة شيئا يمنع القضاء لمنعت آدم حرمة الجنة وقد خلقه الله بيده ، ونفخ فيه من روحه ، وأسجد له ملائكته . وعلمه أسماء كل شئ ، فلما عصاه أخرجه من الجنة وأهبطه إلى الأرض ، وآدم أكرم على الله من ابن الزبير ، وان ابن الزبير غير كتاب الله . فقال له عبد الله بن عمر : لو شئت أن أقول لك كذبت لقلت ، والله إن ابن الزبير لم يغير كتاب الله ، بل كان قواما به صواما ، عاملا بالحق . ثم كتب الحجاج إلى عبد الملك بما وقع ، وبعث برأس ابن الزبير مع رأس عبد الله بن صفوان وعمارة بن ( 2 ) حزم إلى عبد الملك ، ثم أمرهم إذا مروا بالمدينة أن ينصبوا الرؤوس بها ، ثم يسيروا بها إلى الشام ، ففعلوا ما أمرهم به ، وأرسل بالرؤوس مع رجل من الأزد فأعطاه عبد الملك خمسمائة دينار ، ثم دعا بمقراض فأخذ من ناصيته ونواصي أولاده فرحا بمقتل ابن الزبير ، عليهم من الله ما يستحقون . ثم أمر الحجاج بجثة ابن الزبير فصلبت على ثنية كدا عند الحجون ، يقال منكسة ، فما زالت مصلوبة ، حتى مر به عبد الله بن عمر فقال : رحمة الله عليك يا أبا خبيب ، أما والله لقد كنت صواما قواما ، ثم قال : أما آن لهذا الراكب أن ينزل ( 3 ) ؟ فبعث الحجاج فأنزل عن
--> ( 1 ) في ابن الأثير : قتله رجل من مراد . ( 2 ) في ابن الأثير والطبري : عمارة بن عمرو بن حزم . ( 3 ) نسب ابن الأعثم 6 / 278 هذا القول إلى أسماء أم الزبير قالته للحجاج في اليوم الثالث لمقتل ابنها ، وقابلته تستأذنه في انزاله ودفنه فرفض ، ثم رق لها وأمر بانزاله وحمل إليها فصب عليه الماء وحنط وكفن وصلي عليه ودفن .